كتب د كمران يجانجي أن أمن الطاقة الإسرائيلي ظل لعقود قائمًا على الندرة، إذ افتقرت إسرائيل إلى إنتاج محلي كبير من الوقود الأحفوري، واعتمدت بدرجة كبيرة على استيراد الفحم والنفط، بينما بقيت منفصلة إلى حد كبير عن أنظمة الطاقة لدى جيرانها. لكن اكتشاف حقلي تمار وليفياثان للغاز غيّر هذه المعادلة، إذ تحولت إسرائيل إلى دولة مصدّرة للغاز، وعززت علاقاتها الاقتصادية مع مصر والأردن، وبدأت تقدم نفسها باعتبارها مركزًا ناشئًا للطاقة في شرق المتوسط.

 

لكن هذا التحول أفرز مفارقة لافتة؛ فالبنية التحتية البحرية نفسها التي توسع النفوذ الإقليمي لإسرائيل تركز أمن الطاقة لديها في عدد محدود من الحقول والمنصات وخطوط الأنابيب المعرضة للمخاطر. وبينما منح الغاز إسرائيل ورقة نفوذ دبلوماسي، أوجد في الوقت ذاته أشكالًا جديدة من الهشاشة الاستراتيجية.

 

 الغاز أداة للنفوذ الإقليمي الإسرائيلي

 

 

ترتكز دبلوماسية الغاز الإسرائيلية بصورة أساسية على ثلاثة حقول بحرية هي تمار وليفياثان وكاريش. ويوفر حقل تمار جزءًا كبيرًا من احتياجات السوق المحلية، بينما أصبح ليفياثان المحرك الرئيسي لصادرات الغاز إلى مصر والأردن.

 

وارتفعت صادرات الغاز الإسرائيلي إلى البلدين بنسبة 13.4% خلال عام 2024، رغم استمرار الحرب في غزة. وأنتج حقل ليفياثان 11.33 مليار متر مكعب من الغاز خلال ذلك العام، مقابل 10.09 مليار متر مكعب أنتجها حقل تمار.

 

وتتجاوز أهمية هذه التدفقات قيمتها التجارية، إذ يعتمد الأردن على الغاز الإسرائيلي في منظومة توليد الكهرباء، بينما تحصل مصر عليه لتلبية احتياجاتها المحلية، وتستخدمه، عندما تسمح ظروف السوق، في منشآت تسييل الغاز الطبيعي المسال لديها. وبذلك لم تعد إسرائيل تتعامل مع جيرانها عبر القنوات العسكرية والسياسية فقط، بل أصبحت جزءًا من حساباتهم اليومية المتعلقة بالطاقة.

 

واكتسبت العلاقة مع مصر أهمية خاصة. ففي ديسمبر 2025، وافقت إسرائيل على اتفاق بقيمة 35 مليار دولار، وقّعه شركاء حقل ليفياثان للمرة الأولى في أغسطس، لتوريد نحو 130 مليار متر مكعب من الغاز إلى مصر حتى عام 2040.

 

وتزامن الاتفاق مع تراجع الإنتاج المحلي المصري وزيادة الطلب، ما عزز أهمية الغاز الإسرائيلي بالنسبة إلى منظومة الكهرباء والاقتصاد الصناعي في مصر.

 

وتتجسد دبلوماسية الطاقة هنا في صورتها الأكثر عملية، فلا تقوم على بيانات الصداقة، وإنما على خطوط الأنابيب وعقود الشراء والبنية التحتية التي ترفع التكلفة الاقتصادية لأي قطيعة سياسية.

 

الترابط في مجال الطاقة لا يعني المصالحة

 

 

قد يسهم التبادل التجاري للطاقة في استقرار العلاقات بين الدول، لكنه لا يستطيع معالجة الأسس السياسية التي تقوم عليها هذه العلاقات. وتحافظ مصر والأردن على علاقات رسمية مع إسرائيل، إلا أن الرفض الشعبي لسياساتها، ولا سيما حربها على غزة واحتلال الأراضي الفلسطينية، لا يزال واسعًا.

 

ومن ثم، تكتسب علاقات الغاز أهمية مؤسسية، لكنها تظل هشة سياسيًا.

 

وتكتسب هذه التفرقة أهمية خاصة، إذ يمكن أن يخلق الترابط في مجال الطاقة حوافز تدفع الحكومات إلى ضبط النفس، لكنه قد يولد في الوقت نفسه حالة من الاستياء على المستوى الشعبي. وإذا رأى المواطنون أن واردات الغاز تعزز قوة إسرائيل خلال الحرب، فقد تتحول التبعية التجارية إلى مصدر لضغوط سياسية داخلية بدلًا من أن تصبح أساسًا لقبول إقليمي مستدام.

 

وتؤدي دبلوماسية الغاز الإسرائيلية بالتالي إلى تكامل وظيفي دون تحقيق مصالحة حقيقية. فقد تربط خطوط الأنابيب شبكات الكهرباء والقطاعات الصناعية، لكنها لا تستطيع فرض الشرعية السياسية أو صناعتها.

 

وتكمن المفارقة الأعمق في الجغرافيا المادية لنفوذ إسرائيل في مجال الطاقة. إذ يتركز جزء كبير من إنتاج الغاز في عدد محدود من المنشآت البحرية. ورغم امتلاك هذه المنشآت تقنيات متطورة، فإن تركّز الإنتاج يجعل تعطل حقل واحد قادرًا على التأثير في توليد الكهرباء محليًا، والتزامات التصدير، والعلاقات مع الدول المجاورة.

 

منشآت بحرية معرضة للخطر وحدود النفوذ الإسرائيلي

 

 

لم يعد هذا الخطر نظريًا. فبعد اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023، أوقفت إسرائيل مؤقتًا إنتاج حقل تمار، ما أدى إلى خفض إمدادات الغاز إلى مصر.

 

وخلال الصراع الإسرائيلي الإيراني في يونيو 2025، أُوقف تشغيل حقلي ليفياثان وكاريش لنحو أسبوعين، ما جعل تمار حقل الإنتاج الرئيسي لتلبية احتياجات السوق المحلية. وأثر هذا التعليق في الصناعات المصرية، كما دفع إسرائيل إلى إعطاء الأولوية لسوقها المحلية.

 

وأعيد تشغيل الحقلين بعد إجراء تقييم أمني جديد.

 

وتسببت إجراءات احترازية بإغلاق منشآت أخرى خلال عام 2026، ما أدى مجددًا إلى اضطراب العمليات، ودفع شركة إنرجيان، المشغلة لحقل كاريش، إلى تعليق توقعاتها المتعلقة بالإنتاج.

 

وكشف كل توقف عن الضعف الهيكلي نفسه: يعتمد نفوذ إسرائيل الإقليمي في مجال الطاقة على استمرار عمل بنية تحتية تقع داخل بيئة تشهد صراعًا نشطًا.

 

ولا تقتصر الهشاشة على طرف واحد، إذ تواجه مصر والأردن احتمال انقطاع إمدادات الغاز الإسرائيلي، بينما تتحمل إسرائيل التبعات التعاقدية والمالية والدبلوماسية الناجمة عن عدم الوفاء بالتزامات التوريد.

 

ولا يؤدي تصدير الغاز إلى خلق اعتماد لدى المشتري وحده، بل يفرض أيضًا التزامات على البائع.

 

أوروبا تمثل فرصة غير مباشرة

 

 

سعت إسرائيل إلى ربط استراتيجية الغاز لديها بجهود أوروبا لتنويع مصادر الطاقة والابتعاد عن الإمدادات الروسية. لكن الطريق الأكثر عملية أمامها للوصول إلى الأسواق الأوروبية لا يمر عبر خط أنابيب مباشر، بل عبر التعاون مع مصر، التي تستطيع منشآت تسييل الغاز لديها تجهيز الإمدادات للتصدير في صورة غاز طبيعي مسال.

 

ويمنح هذا الترتيب إسرائيل قدرة على الوصول إلى الأسواق الدولية دون الحاجة إلى إنشاء منظومة تسييل مستقلة ومكلفة. لكنه يكشف في الوقت نفسه حدود طموحها للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة.

 

فإسرائيل تمتلك الغاز، بينما تسيطر مصر على جزء كبير من البنية التحتية اللازمة لتسييله وإعادة توجيهه إلى الأسواق الخارجية. ومن ثم، تقوم العلاقة بين البلدين على اعتماد متبادل غير متكافئ، وليس على نفوذ إسرائيلي أحادي الجانب.

 

وتعزز خطط توسيع حقل ليفياثان هذه الاستراتيجية. فقد وافقت شركة شيفرون وشركاؤها على توسعة تستهدف رفع إجمالي إمدادات الحقل إلى نحو 21 مليار متر مكعب سنويًا بحلول نهاية العقد.

 

وقد تؤدي زيادة الطاقة الإنتاجية إلى رفع عائدات التصدير وتعزيز النفوذ الدبلوماسي، لكنها ستعرض في الوقت نفسه حجمًا أكبر من الإنتاج للمخاطر الناجمة عن عدم الاستقرار الإقليمي.

 

الحدود السياسية لقوة الطاقة الإسرائيلية

 

 

قد تعزز إسرائيل مسارات نقل الغاز، وتوسع قدرات التخزين، وتسرّع الاعتماد على توليد الطاقة الشمسية اللامركزي، لكن المرونة التقنية لا تستطيع معالجة نقطة ضعف سياسية بالأساس.

 

فيمكن حماية المنصات البحرية، وتمديد خطوط الأنابيب، وتعزيز عقود الإمداد، لكن لا يستطيع أي من هذه الإجراءات عزل علاقات الطاقة عن نظام إقليمي تشكله عوامل الاحتلال والحرب والقضية الفلسطينية التي لم تُحسم.

 

ومع ذلك، لا يستطيع الغاز أن يأخذ إسرائيل إلى أبعد من ذلك. فقد يدفع الحكومات إلى الحفاظ على علاقات وظيفية حتى خلال الأزمات السياسية، لكنه لا يستطيع تحويل الاعتماد التجاري إلى قبول إقليمي حقيقي.

 

بل إن زيادة ارتباط مصر والأردن بالإمدادات الإسرائيلية قد ترفع التكلفة السياسية الداخلية عندما يُنظر إلى هذه التدفقات باعتبارها داعمة لإسرائيل خلال الحرب.

 

ولا شك في أن اكتشافات الغاز الإسرائيلية غيّرت خريطة الطاقة في شرق المتوسط. فقد حققت عائدات، ودعمت إنتاج الكهرباء محليًا، وفتحت قنوات جديدة للنفوذ الإقليمي.

 

لكن النفوذ القائم على منشآت بحرية معرضة للمخاطر وعلاقات سياسية محل نزاع يظل نفوذًا مشروطًا.

 

ومن ثم، لا يتمثل السؤال الأساسي في كمية الغاز الإضافية التي تستطيع إسرائيل تصديرها، بل في مدى قدرة معاملات الطاقة على تجاوز الظروف السياسية المحيطة بها.

 

وطالما ظل الاحتلال والحرب المتكررة يحددان علاقة إسرائيل بالمنطقة، فقد توسع خطوط الأنابيب نطاقها الاقتصادي دون أن تحقق لها أمنًا استراتيجيًا حقيقيًا.

 

وستظل مفارقة الطاقة الإسرائيلية قائمة: نفوذ إقليمي أكبر يقابله ضعف استراتيجي أعمق.
 

 

https://www.middleeastmonitor.com/20260911-israels-energy-paradox-regional-influence-strategic-vulnerability/